الجغرافيا : دراسات وأبحاث في الجغرافيا
مدونة تهتم بجميع فروع الجغرافيا الطبيعية والبشرية
تأثير السياحة على العمران في قطاع غزة ...

تأثير السياحة على العمران في قطاع غزة

دراسة في جغرافية السياحة

 

ورقة عمل مقدمة إلى اليوم الدراسي الذي ينظمه قسم الجغرافيا بالجامعة الإسلامية بغزة بعنوان " الواقع الديموغرافي والعمراني والسياسي في محافظات غزة المشكلات والحلول"

د. عبد القادر ابراهيم عطية حماد

دكتوراة في جغرافية السياحة2006
 
تمهيد:
 

ظهرت السياحة منذ عصور قديمة كظاهرة اجتماعية وإنسانية عرفها الإنسان منذ القدم، وتطورت بتطور حاجاته ورغباته حتى تحولت الى حركة ثقافية واجتماعية واقتصادية، وأصبحت ذات مفهوم واضح، وتأثير ملموس في شتى مجالات الحياة.

 

وامتد تأثير السياحة التي أصبحت مثلها مثل أية صناعة أخرى، تقوم على مقومات أساسية تمثل عناصر الإنتاج الثلاثة وهي: الموارد الطبيعية، العمل، ورأس المال، الى الجانب العمراني، الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه الصناعة، سيما وأن العمران يمثل المرآة التي تعكس جانباً من التطور والتمدن الذي يميز هذه المنطقة أو تلك، فضلاً عن أن لذلك تأثير مباشر على الحركة السياحية، سواء في ذلك، الأنماط العمرانية الحديثة، أو القديمة منها، والتي تمثلها المباني التاريخية والمواقع الأثرية، وما يرتبط بذلك كله من تطورات مختلفة في مجال البنى التحتية.

 

ولقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على الوظيفة التي تؤديها المدن وعلى النمط العمراني السائد فيها، فبينما تؤدي مجموعة مدن وظيفتها كمنتجعات للسياح في أوروبا الغربية، فإن تأثير صناعة قضاء العطلة بالمدن يبين نمطاً مشابهاً في كل حالة. فمورفولوجية مدن المنتجعات تعكس وظيفتها لقضاء العطلات، ويتضح هذا بجلاء في شكلها،، بنيتها واستخدام الأرض، فالمباني التي تختص بقضاء عطلات السياح، والهيكل الأساسي للمنتجع المرتبط بها محدودة بقطاع ضيق نسبياً من المدينة، مع تدرج هبوط نشاط السياح بعيداً عن بؤرة الاهتمام الرئيسية. ومع تطور هذه المدن الى منتجعات لقضاء العطلات ظهر تكدس الأبنية، والتي تحولت عن غرضها الأصلي، فلقد أصبحت بصفة عامة عملية تراكم لنمط النمو المتأثر بالطبوغرافية (لافري، 1986‘ ص 176).

 

هذا الانعكاس لتأثير السياحة امتد أيضاً إلى الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية على الأجزاء المحررة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1994، حيث تعتبر فلسطين، بما في ذلك قطاع غزة منطقة الدراسة، إحدى أبرز الجهات الجاذبة للحركة السياحية الدولية والإقليمية.

 

ومنذ قيام السلطة الوطنية على الأجزاء المحررة من فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وما تبع ذلك من نشاط سياحي خلال سنوات متفرقة، تعددت في قطاع غزة الخصائص العمرانية الناتجة عن النشاط السياحي، وتباينت أنماطها تبعاً لمدى قوة عوامل الجذب السياحي ومستوى الاستثمار السياحي الذي يحدد بدوره حجم أنشطة السياحة ومجالات تأثيرها على الجوانب العمرانية.

 

وقد تزايدت هذه الأهمية بعد الانسحاب الإسرائيلي عن قطاع غزة، مما يمهد لإعادة النشاط السياحي إلى هذه المنطقة، واختيارها لتكون نقطة صلة وانطلاق الى بقية الأراضي الفلسطينية بل والمناطق المجاورة، الأمر الذي يستدعي من المسؤولين وصناع القرار البدء بإجراء دراسات معمقة حول السبل الكفيلة بتطوير هذه الصناعة، والآثار المترتبة على تطويرها في شتى مناحي الحياة، بما في ذلك الجانب العمراني لارتباطه المباشر بالنشاط السياحي، باعتباره المرآة التي ينعكس عليها أي تطور في المجال السياحي.

 

ومن المتوقع أن يزداد تأثير السياحة على العمران في قطاع غزة، إذا توفرت العوامل التي تسمح بنمو وتطور صناعة السياحة، خاصة الاستقرار السياسي والاقتصادي، والسيطرة الفلسطينية الكاملة على المعابر الدولية، مما يساهم في فتح آفاق جديدة للسياحة، الأمر الذي سيرخي بظلاله على النمط العمراني، بل والمخططات العمرانية المستقبلية.

 

المبحث الأول

 
السياحة في قطاع غزة
 

تتضافر في قطاع غزة العديد من العوامل الجغرافية الطبيعية والبشرية التي تؤثر على صناعة السياحة، وبالتالي تحدد مدى ازدهارها وتطورها، فالموقع الجغرافي، والمناخ المعتدل،وغير ذلك من العوامل يجعل منها محل اهتمام سياحي دولي، إذا ماتم إبراز الأهمية السياحية لها، وتطوير المواقع السياحية المختلفة، وإعطاء اهتمام أكثر للتسهيلات السياحية المختلفة، بحيث تتوفر جميع المقومات الكافية لتكامل الجذب السياحي فيها ( حماد، 2006، ص9).

 

أولا:عوامل الجذب السياحي في قطاع غزة:
 
لاشك أن عوامل الجذب السياحي في قطاع غزة كثيرة، فهناك عدد كبير من المواقع الأثرية التي يعود تاريخها الى حقب زمنية مختلفة، مازالت تكتشف حتى اليوم، إن ساحل غزة كله في الحقيقة موقع تاريخي متواصل، وغزة اليوم، مازالت بحاجة الى الكثير من الحفريات المنظمة للكشف عن كنوزها المدفونة في الأرض.
 

كما يتمتع قطاع غزة بمناخ معتدل، خاصة في الشتاء، وهو مشهور بمأكولاته البحرية اللذيذة، وتعد شواطئ غزة الأجمل والأنظف على طول الساحل الفلسطيني، وكانت هذه السواحل في الماضي تجذب إليها الكثير من الزوار من المناطق المجاورة.

 

أما بالنسبة للأسعار فهي في غزة أرخص بشكل ملحوظ منها في أراضي 48 والضفة الغربية، وخصوصاً بالنسبة للمأكولات، وكذلك أجرة الفنادق والمصنوعات اليدوية.
 

 وتشتهر غزة بصناعاتها اليدوية كصناعة الفخار والنسيج، خاصة السجاد والبسط، والعباءات المصنوعة من وبر الجمال. كما يتمتع أهل غزة بالطيبة وكرم الضيافة رغم الظروف الصعبة التي يعيشها هؤلاء المواطنين هذه الأيام، وهم لايتوانون عن المساعدة أو التحدث الى الغرباء ( يحي وآخرين، 2000، ص170).

 

ثانياً: أنماط السياحة في قطاع غزة:
 
يتميز قطاع غزة بتعدد أنماط السياحة فيه، مما يجعله مقصداً لأعداد كبيرة من السياح والزائرين والحجاج من مختلف الأصقاع والملل.
 

ومن أهم الأنماط السياحية الموجودة في قطاع غزة:

 

1- السياحة السياسية: ويقصد بهذا النمط من السياحة تلك التي تتم بقصد الاشتراك في حدث ذي أهمية فذة، كتتويج ملكة بريطانيا  مثلاً الذي أجتذب الألوف من الزائرين الأجانب الى لندن ( الحوري و الدباغ،2001، ص 74).

 

 ويتضمن هذا النمط من السياحة الاشتراك في المناسبات أو الأحداث السياسية حيث تتيح بما يصاحبها من تسهيلات السفر ومهرجانات واحتفالات فرصة مغرية على السياحة. وشهد قطاع غزة عشرات المناسبات السياسية التي تساعد على الترويج لصناعة السياحة، سواء كانت الداخلية أو الخارجية، ولعل أبرز مثال على ذلك، قدوم ألاف الصحفيين والزوار عند وصول الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى قطاع غزة عبر معبر رفح جنوب قطاع غزة.

 

2-السياحة الاقتصادية: وهي التي تشمل بصفة خاصة الرحلات بمناسبة المعارض الدولية، كما تشمل السياحة المهنية التي قد لا تندرج – طبقاً- للفكرة العلمية السياحية – تحت نمط من أنماط السياحة بمعنى الكلمة، ومع ذلك يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن هذه السياحة، أو السياحة بقصد إنجاز الأعمال تنبثق عنها أو تترتب عليها حركة سياحية هامة. فالمناسبات والمهرجانات الاقتصادية لا تجتذب مشترين فحسب، بل أنها بسبب المزايا وتسهيلات السفر التي تمنح للراغبين في حضورها والبرامج الاجتماعية التي تعد لها تجذب أيضاً أعداد كبيرة من المتشوقين لمشاهدتها، كما أن المنشآت الصناعية الكبيرة كمحطات القوة الكهربائية، والمناطق التي تطبق فيها تجارب استغلال زراعي أو صناعي رائدة تغري في غالب الأحيان على زراعتها ( الحوري و الدباغ،2001، ص 74).

 

 وشهد قطاع غزة منذ قيام السلطة الوطنية إقامة مهرجانات متواضعة إلا أنها لأسباب متعددة لم تحفز النشاط السياحي بشكل ملحوظ، مثل مهرجان الزهور السنوي، ومهرجان مايوما الفني، وكذلك المؤتمرات الدولية مثل المؤتمر السنوي للمغتربين، ومعارض الكتب، ومعارض المنتجات الوطنية والمستورة. ولاشك أن تنشيط هذه المهرجانات يشكل حافزا لتنشيط السياحة في قطاع غزة، خاصة بعد زوال الاحتلال. كذلك يشكل وجود المطار ومحطة توليد الطاقة الكهربائية ومحطة التجارب الزراعية والجامعات والمصانع الضخمة وغيرها وسيلة يمكن استغلالها لتنشيط السياحة الداخلية بدرجة ملموسة.

 

3- السياحة الدينية: وهي ذلك النشاط السياحي الذي يقوم على انتقال السائحين من أماكن إقامتهم الى مناطق أخرى، وذلك بهدف القيام بزيارات ورحلات دينية داخل وخارج الدولة لفترة من الوقت ( عبد السميع، 1993، ص76).

 

ويمتلك قطاع غزة العديد من مقومات السياحة الدينية سواء بالنسبة للمسلمين أو المسيحيين وغيرهم مثل العديد من المساجد التاريخية مثل المسجد العمري، ومسجد سيد هاشم·، وزاوية الشيخ أحمد البدوي، ومسجد أبن عثمان، ومقام الشيخ أبو العزم، ومقام خليل الرحمن، وكنيسة القديس بورفيريوس، وغير ذلك الكثير من المقومات الدينية، فضلا  عن المهرجانات الدينية الدولية التي أقيمت مثل: المهرجانات التي تقيمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لحفظة القرآن الكريم.

 

4- السياحة الاجتماعية: وهدفها الأساسي زيارة الأصدقاء والمعارف ( مقابلة وذيب، 2000، ص 48). ومن الممكن تحفيز هذا النمط من السياحة لتشجيع آلاف الأقارب والأصدقاء والمعارف على زيارة القطاع، سيما بعد تولي السلطة الفلسطينية مقاليد الأمور في قطاع غزة، ومعبر رفح الحدودي.

 

5- سياحة الشباب: وهو شكل خاص من السياحة يمكن فصله عن بقية الأنماط للتركيز على العناية الخاصة التي تعطى له بسبب أهدافه التربوية والإعلامية ( الحوري و الدباغ،2001، ص 72).وقد شهدت السنوات الماضية إقامة العديد من مخيمات الشباب الدولية التي أقامتها وزارة الشباب والرياضة، والتي تضمنت جلب المئات من الشباب من مختلف الجنسيات، وأصبحت الفرصة الان مواتية للاهتمام بهذا النمط السياحي.

 

6- السياحة الصيفية: وهي السياحة التي تقد أثناء أشهر الصيف، والشمس هنا ترتبط بالسياحة والاستحمام في البحر كعامل أساسي، وهذا النوع من السياحة تزاوله جماعات كبيرة العدد متنوعة المشارب ( الحوري و الدباغ،2001، ص 70). ويمكن أن يمارس هذا النمط من السياحة باعثاً على تنشيط السياحة الداخلية، والاهتمام بالمظاهر العمرانية المنتشرة على امتداد الساحل، ووقف للانتهاكات والاعتداءات على شواطئ البحر، خاصة وأن دراسة حديثة كشفت أن نسبة السياحة خلال فصلي الصيف والخريف تمثل حوالي 75% من نسبة السياحة في قطاع غزة على مدار العام ( حماد، 2006، ص 45).

 

ولا يعني الإشارة إلى هذه الأنماط عدم وجود أنماط أخرى، فهناك العديد من الأنماط التي يمكن تشجيعها، والتي يمكن أن تعمل على تنشيط صناعة السياحة في قطاع غزة، كما تلعب دوراً مهماً في الارتقاء بالأنماط العمرانية السائدة في القطاع مثل: السياحة الرياضية، والسياحة الثقافية، والسياحة الشتوية.

 

ثالثاً- حركة السياح وأعداد السائحين:
 

مازالت الحركة السياحية في قطاع غزة دون المستوى المطلوب، بسبب الظروف الخاصة التي مرت بها الأراضي الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة من تدهور في الأوضاع السياسية والأمنية وتردي الأوضاع الاقتصادية إلا أنه من الضروري الإطلاع على مؤشرات الحركة السياحية في قطاع غزة، خلال السنوات السابقة، بالرغم من أنها لاتعتبر  مؤشراً يعكس أهمية إقليم الدراسة.

 

- عدد السياح:
 

لاتتوفر إحصاءات دقيقة حول حجم الحركة السياحية خلال السنوات الماضية، خاصة خلال سنوات انتفاضة الأقصى، بسبب التعقيدات الأمنية والسياسية، وسيطرة سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المنافذ والمعابر، فضلاً عن عدم وجود مفاهيم محددة تتعلق بالحركة السياحية، ناهيك عن تداخل عمل العديد من الوزارات والأجهزة ذات العلاقة.

 

وعلى العموم يلاحظ التذبذب الواضح في أعداد السياح والزائرين القادمين إلى القطاع خلال السنوات الماضية، اعتماداً على أعداد النزلاء في الفنادق الفلسطينية في قطاع غزة. فقد بلغ عدد السياح 10368 سائح في العام 1998.  وارتفع إلى 20002 سائح في العام 2000 ، بينما انخفض الى 4556 سائح في العام 2003، بينما بلغ 2380 سائح خلال الربع الأول من العام 2005. ولعل مرد هذا التذبذب ماشهدته الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك منطقة الدراسة من توترات سياسية وأمنية واقتصادية ( حماد، 2006، ص 37).

 

تطور مدة إقامة السائح:
 

إن المدة التي يقضيها السائح في أي مكان تتناسب طردياً مع مقدار ماينفقه في ذلك المكان، فكلما ازدادت مدة إقامة السائح، زاد المبلغ الذي سوف ينفقه في ذلك المكان على المبيت والمشتريات والطعام والشراب والتنقل، مما يعني زيادة في المردود المادي والمعنوي للسياحة، وإنعاشاً لمختلف القطاعات في ذلك المكان، وهذا بالضرورة يتطلب توفير كافة الخدمات السياحية والمناسبة للسياح حتى لايترك السائح المكان خلال فترة قصيرة متدنية إذ تصل الى 2.1 ليلة ( حماد، 2006، ص 38) وهي بذلك أقل من الضفة الغربية التي تصل فيها الى 3 أيام ، وأقل من الأردن التي تصل يبلغ معدل الإقامة فيها 3 أيام ( حماد،2003، ص 300).

 

موسمية الحركة السياحية:
 

أما عن موسمية السياحة في قطاع غزة، فليس هناك إحصائيات دقيقة حول حجم الحركة السياحية على مدار العام، الا أنه بالاعتماد على أعداد النزلاء في فنادق قطاع غزة التي يوضحها الجدول التالي فيمكن تصور الحركة السياحية حسب فصول السنة خلال العام الماضي:

 

جدول ( 1 )

أعداد السياح حسب فصول السنة في العام 2004

الفصل

العدد

النسبة%

الشتاء

1197

12

الربيع

1425

14

الصيف

4628

45

الخريف

3148

30

المجموع

10398

100

المصدر: عبد القادر إبراهيم حماد، التطلعات السياحية في قطاع غزة بعد زوال الاحتلال، 2006.

 

من دراسة الجدول يتضح لنا أن حركة السياحة تبدأ في الزيادة مع حلول فصل الربيع، لترتفع في فصل الصيف وتحتل المرتبة الأولى من حيث نسبة أعداد السياح في قطاع غزة بنسبة تبلغ حوالي 45%، ثم يأتي بعده مباشرة فصل الخريف بنسبة تبلغ حوالي 30%، أي أن فصلي الصيف والخريف يمثلان حوالي 75% من نسبة السياحة في القطاع.

 

ولعل ذلك يعود الى مايتميز به القطاع من مناخ معتدل خلال هذه الفترة خاصة فصلي الربيع والخريف، وملائمة المناخ من حيث الحرارة والرطوبة للسائحين لمزاولة الأنشطة السياحية المختلفة، ووقوع القطاع على سواحل البحر المتوسط الذي يعتبر من أهم المناطق الاستجمامية ( حماد، 2006، ص 39).

 

المـبـحـث الثـانـي
 
تأثير السيـاحـة على العـمـران
 
أولا: ظاهرات العمران كمورد سياحي:
 

تمثل ظاهرات العمران الموجودة واحدة من أهم الموارد السياحية، وهي ظاهرات مختلفة ليست على مستوى مناطق العالم، بل نجدها مختلفة في الدولة الواحدة. ويختلف العمران حسب نوع الحرف وتباين الأقاليم كما يختلف أيضا بتأثير الزمن ( الحريري، 1991، ص98

 

والمأوى الذي هو أحد المطالب الأساسية للإنسان يختلف في شكله وبنيانه وتصميمه وزخرفته بتباين الجماعات وقدراتها ومواردها من بيئاتها، وهو انعكاس للمظهر الحضاري السائد، والذي كان موجودا من قبل. ويرتبط عديد من أنواع السياحة وأعداد متزايدة من السياح بمناطق العمران، ولكل من الريف والحضر عملاءه. كما أن نواحي الإبداع الفني البارزة على المباني القديمة وفي المدن التاريخية لها جاذبيتها السياحية، وأصبحت كثير من أنواع المدن علامات سياحية حيث تتركز وظيفتها الأساسية في خدمة السياح، كما أن للعواصم والمدن التاريخية القديمة لها جاذبيتها لأفواج السياح.

 

وتتميز المناطق الحضرية بتنوع المغريات السياحية بها، وتعدد نواحي التسلية والترفيه سواء بالليل أو بالنهار. وفي هذا تنويع لأنواع التسرية التي يمكن تقديمها لأفواج السياح ذوي الاهتمامات المتباينة. كما أنه تتوفر بها ولها طرق ووسائل النقل وجوانب الخدمات والبنية الأساسية بصورة قد لايتسنى توفيرها في غيرها من المناطق. 
 
ويمكن تصنيف ظاهرات العمران من وجهة النظر السياحية الى ثلاثة أقسام هي:
 
-العمران الريفي: ومن أشهر مناطقها الريف الانجليزي.
 
-المدن المختلفة:  وتشمل أيضاً العواصم والموانئ.
 
-المدن المستحدثة لأغراض الترفيه مثل " ديزني سيتي" وماشابهها.
 

وتعتبر ديزني لاند من أشهر وأكبر أماكن الجذب السياحي في الولايات المتحدة، ويكون الدخول اليها ببطاقة تمثل باسبور يسمح بدخولها لأيام معينة وهو تقليد متبع ( الحريري، 1991، ص99).

 

ثانياًً:  التنمية السياحية والتخطيط العمراني:
 

تمثل السياحة مجالاً هاماً من مجالات التنمية، ونشاطاً بارزاً من الأنشطة الاقتصادية التي تهتم بها كثير من الدول السياحية لما تحقه من آثار ومزايا اقتصادية ملموسة ومباشرة ( عبد السميع، بدون تاريخ، ص 35).

 

لذلك فإن أي تخطيط للتنمية السياحية يجب أن يهدف الى وضع برامج من أجل استخدام الأماكن والمناطق والموارد سياحياً، ثم تطويرها وصبغها بالجمال لتكون مراكز سياحية ممتازة تجذب الناظرين اليها سواء أكان مباشرة أو عبر الإعلان السياحي، أو غيره من مزيج الاتصال التسويقي ( عبد القادر، 2003، ص ص 198-199). وذلك يتم من خلال التخطيط العمراني والذي هو مجال لنشاط الإنسان في البناء والتشييد والعمران، حيث يطبق في هذا المجال ما تتوصل إليه العلوم الأخرى، ولا تقام المباني أو المدن أصلاً الا لوجود غرض عملي تخدمه وفائدة انتفاعية تؤخذ منها، لذلك، فإن التخطيط العمراني ليس فناً نقياً يتواجد لمجرد الرضا بين السكان والمتعة التجريدية التي تؤخذ من وجودها كالشعر والموسيقى والنحت والرسم، وإنما هو فن تطبيقي وأداة من أدوات الإدارة ( بدوي، 2003، 14R).

 

ومن هنا لابد أن تتوافق التنمية السياحية مع التخطيط العمراني الشامل، لأن خطة التنمية السياحية تعتمد على بنية المرافق الأساسية وتوفرها قبل البدء في تأهيل أية منطقة وإعدادها إعدادا سياحياً كاملاً ( الجلاد، 1998، ص 87)، حيث تتألف المرافق الأساسية من شبكات الطرق والكهرباء والهاتف وغيرها من المرافق الأخرى الضرورية لأية منطقة سياحية. كما أن التنمية السياحية يجب أن لاتغير طبيعة المكان أو المركز السياحي، لأن الشكل والطابع الفني لهما أهميتهما من الناحية السياحية. ففي كثير من الأحيان تكون السلعة السياحية الحقيقية هي الموقع السياحي بطبيعته الذي يقدم الى السياح، مع مراعاة ان تنمية الصناعة السياحية تحكمها عدة اعتبارات لابد من مراعاتها ( عبد القادر، 2003، ص، 199).

 

ثالثاً: تأثير السياحة على العمران:
 

تتعدد الخصائص العمرانية الناتجة عن أنشطة السياحة وتتباين أنماطها تبعاً لمدى قوة عوامل الجذب السياحي، ومستوى الاستثمار السياحي الذي يحدد بدوره حجم أنشطة السياحة ومجالات تأثيرها على الجوانب العمرانية.

 

وأوجدت السياحة محلات عمرانية لم يكن لها وجود من قبل، ومن أحسن الأمثلة على ذلك، المنتجعات السياحية التي تتراوح بين الجبلية والساحلية، والتي ظهرت على الخريطة السياحية لأول مرة عندما تم بناؤها. كما أن بعضها كانت قبل عهد السياحة عبارة عن مراكز عمرانية صغيرة سرعان ما أتسع عمرانها، وتطورت حتى اتخذت أشكاله المعاصرة. والأمثلة على ذلك كثيرة في معظم دول العرض السياحي، كما في نطاق مرتفعات الألب في سويسرا، وايطاليا والنمسا وفرنسا ومصر، بالاضافة الى القرى السياحية المنتشرة على طول إمتداد سواحل مصر المطلة على البحرين الأوسط والأحمر.

 

لذلك يمكن اعتبار دور السياحة في ظهور مراكز عمرانية جديدة أو تطوير مراكز كانت موجودة من قبل، لا يقل عن دور الصناعة في هذا المجال، إن لم يزد في العديد من أقاليم العرض السياحي، فيما أحدثته الثورة السياحية. ولا يمكن إغفال المدن أو المراكز الترفيهية في هذا المجال ( الأفندي، بدون تاريخ، 38).

 

1- السياحة والنمو الحضاري:
 

تعمل السياحة على تنمية الاهتمام بالقيم الحضارية في الدول المستقبلة للسائحين، مثل إقامة المعالم الفنية البارزة كدور الأوبرا وصالات العرض الكبرى ودور السينما والمسارح والملاهي، ومال إلى ذلك، بالإضافة إلى المعالم الحضارية الأخرى التي تنشأ مرتبطة بحركة النمو والازدهار السياحي، كما حدث في كثير من دول أوروبا وأمريكا التي استطاعت أن تحقق التوازن الحضاري في كثير من المناطق السياحية بها، فادى ذلك الى تقدمها ونموها حضارياً ( عبد السميع، 1993، ص 36). كما تبنت المدن الصناعية في كل من أوربا والولايات المتحدة مفهوما جديدا يسمى بالسياحة الصناعية الحضرية Urban Industrial Tourism  - منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي - لتنمية اقتصادها القومي باستخدام السياحة والمناطق الصناعية القديمة ، وأعادت صياغة المخططات العمرانية لتلك المناطق لتنمية وتحديث، وإعادة تقديم المواقع التاريخية الصناعية وتأهيلها للوظيفة السياحية ، كما أدمجت تلك المخططات بالمواقع التراثية في وسط المدينة والأسواق والمواقع الأثرية، وتبنت سياسات إعادة توظيف المباني الصناعية، وإعادة بناء الصور الذهنية والبصرية التي كانت مرتبطة بتلك المناطق، وخلق صورة سياحية جديدة جاذبة للسائحين تجسد التراث الصناعي بها، وقد أطلقت على تلك السياسات " تسويق المكان" Place Marketing "، وهي لا تعني مجرد الإعلان عن المكان للجذب السياحي، ولكن تعني إعادة التخطيط والاستخدام المرشد للمكان، والذي يعتمد على القيمة التاريخية والتراثية له، وتميزها واختلافها في المضمون الاجتماعي والاقتصادي والثقافي عن غيرها. ولقد أثمرت سياسات " تسويق المكان" وإعادة بناؤه العديد من الإيجابيات ليس فقط من المنظور السياحي والاقتصادي ولكن الاجتماعي والإنساني أيضا (إمبابي، ، مجلة العمران، 2005).

 

2- تطوير الموارد التراثية وتنميتها:
 

لقد ورثت المجتمعات والدول ثروة من الموارد الثقافية المادية وغير المادية تجسد الذاكرة الجماعية للمجتمعات وحضاراتها عبر الزمن، وتدعم من شعورها بالهوية في أزمة التغريب والعولمة، وكل مجتمع في حاجة إلى إعادة تقييم لموارده التراثية والوعي بقيمتها وأهميتها، وأن يقرر من منظوره الخاص إمكانيات تطويرها وتنميتها ، ولكن بإدارة واعية بأهمية خصائصها وسماتها المتميزة والتي لا يمكن تجديدها، وإن كان لعمليات الصيانة والترميم قيمة اجتماعية وأهمية عند الدول الغنية، فهي بالنسبة للدول الأقل رفاهية ووفرة تمثل مشكلة اقتصادية بارزة، ولكن مع انتشار التوجهات والمفاهيم الدولية التي راجت وانتشرت في الثمانينات من القرن الماضي، وتناولت فكرة الارتباط المتكامل والمتوازن بين صيانة التراث والمحافظة عليه والتنمية السياحية، والتي أقرت مفهوم السياحة المستدامة التي تهدف إلى الوصول إلى التوازن بين تحقيق احتياجات السياحة، وأقصى استفادة من التراث كمصدر هام للتنمية الاقتصادية خاصة للدول النامية، وبين تأمين سلامة وحماية التراث بأوسع معنى لهذا المفهوم، وبتعبير " كاثلين بيريه" رئيسة لجنة الصيانة في المجلس الدولي للمتاحف " أنه لا يمكن تصور تطبيق وتدعيم السياحة المستدامة دون توسيع نطاق برامج الصيانة المتوافقة والحديثة والمطورة للتراث ، إذ أنه عنصر هام في التطور الإقليمي الاقتصادي والثقافي لكل بلدان العالم " .

 

ويعتبر التراث العمراني أحد أهم العناصر التي تشكل الهوية الوطنية ( القيق، مجلة العمران، 2005)، كما أنه يمثل الشاهد الحي على عراقة هذا الشعب وأصالته على أرضه فلسطين، بالرغم من المحاولات الاسرائيلية الكثيرة لطمس هذا التراث بدءا بعمليات محو عشرات القرى ومسحها كلياً أو جزئياً عن الوجود خاصة خلال حرب 1948، وانتهاء بمسلسل عمليات هدم البيوت التي تكاد تكون بشكل يومي خلال انتفاضة الأقصى، متذرعين بأوهى الأسباب ( قمحية، 2003، ص 55R). ومن هنا تأتي أهمية المحافظة على هذا التراث المعماري في قطاع غزة، سيما بعد الإنسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة، لما لذلك من تأثير مباشر ومتبادل على صناعة السياحة في منطقة الدراسة، وفلسطين قاطبة.

 

3- أهم نتائج أنشطة السياحة على المحلات العمرانية في قطاع غزة:
 

لاشك أن قيام الدولة والقطاع الخاص بإنشاء وتطوير الأماكن السياحية، وإقامة الفنادق والقرى السياحية والمعسكرات الخلوية والتي يصاحبها رصف الطرق، وتحسن الخدمات كالكهرباء والمياه وإقامة المتاحف والمعارض وتوسيع شبكة وسائل النقل، يؤدي الى تنشيط الحركة الاقتصادية في البلاد عموماً ( عبد الوهاب، 1996، ص 43)، الأمر الذي سينعكس بالتأكيد على المظاهر العمرانية.

 

وقد ترتب على زيادة الأنشطة السياحية في قطاع غزة منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية العديد من النتائج المباشرة على المحلات العمرانية في قطاع غزة، ومن المتوقع ان تزداد هذه النتائج مع انسحاب سلطات الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة، وسيطرة السلطة الوطنية على مقدرات الأمور في منطقة الدراسة، خاصة معبر رفح الدولي، مما بساهم في إنعاش الحركة السياحية من والى قطاع غزة.

 

ومن أهم هذه النتائج:
 

- الاهتمام بترميم وحفظ وصيانة  المباني الأثرية أو ذات الأهمية التاريخية، كالمساجد والكنائس والقصور والمنازل ذات الطراز المتميزة، والتي تشكل مزارات سياحية، خاصة أن بعضها تحول الى متاحف، كما يمكن استخدام بعضها الآخر كفنادق ذات طابع خاص مما يعيد الحياة أو الحركة الى مثل هذه المباني ( الأفندي، بدون تاريخ، ص 38).

 

ويلاحظ أنه لم يبق من معالم حضارية في مختلف مدن وقرى قطاع غزة وتحديداً في مدينة غزة التي تضم جزء كبير من هذه المعالم، الا مجموعات مختلفة الشكل والبناء والطراز، يختلط فيها القديم بالحديث الذي أقيم على مخلفات وأنقاض مبان أثرية سابقة، حيث تختلف أشكال التراث المعماري وتتنوع في غزة، ويمكن تقسيمها الى منشآت خاصة كالبيوت السكنية، والى منشآت عامة مثل المساجد والقصور والحمامات والأسبلة والزوايا والممرات التاريخية ( المصري وآخرين، 2003، ص 33R).
 

  ومنذ قيام السلطة الوطنية بذلت جهود لترميم وحفظ وصيانة المباني الأثرية أو ذات الأهمية التاريخية في مناطق مختلفة من القطاع، مثل المسجد العمري الكبير، ومسجد هاشم، وكنيسة القديس بورفيريوس، وحمام السمرة، وقصر الباشا في مدينة غزة، وكذلك قلعة برقوق في خان يونس. ولاشك أن ترميم وإعادة تأهيل هذه المباني على قلتها، يؤثر في المظهر العمراني العام في قطاع غزة، ويحافظ على المظهر الأثري والتاريخي لمنطقة الدراسة، فضلاً عن أن ذلك من عوامل الجذب الرئيسية للسياحة الى قطاع غزة.

 

وبالرغم منذ ذلك، من الضروري الإشارة الى تأكل النسيج العمراني والاجتماعي التقليدي بالمناطق التراثية، والافتقار إلى الصيانة اللازمة للمباني بها، وانهيار بنيتها الأساسية في مناطق كثيرة في القطاع، بسبب توجه المواطنين وبعض الجهات ذات العلاقة الى إعادة استغلال الأراضي التي تشغلها هذه المباني الأثرية.

- التطور الواضح في أماكن الإيواء والمنشآت الفندقية، حيث تشمل عبارة المنشأة الفندقية، الفندق، المنتجع السياحي، الشقق الفندقية، النزل، الموتيل، المخيم السياحي، الفنادق العائمة التي تقدم خدمات فندقية ( مقابلة وذيب، 2000، ص 318)، ذلك، أن زيادة الحجم السياحي يؤدي الى زيادة عدد الفنادق والبنسيونات وعدد المباني الجديدة ( كولينات و شتايينكه، 1991، ص154).

 

ويلاحظ ان قطاع غزة شهد طفرة وقفزة كبيرة في مجال المشاريع الفندقية بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، فقد أرتفع عدد الفنادق في قطاع غزة من فندق واحد في العام 1946 بسعة 12 غرفة فندقية، الى 18 فندق في العام 2002، حيث أقيمت خلال الفترة من 2000-2002 خمسة فنادق جديدة، وهذا يدل على أن الحركة في قطاع غزة آخذة في الازدياد، مما يبشر بتحول غزة الى مقصد للسياح والزائرين ( وزارة السياحة والآثار، بدون تاريخ، ص 3).

- تفرد استخدام الأرض في المحلات العمرانية بأنماط محددة كنتيجة لنشاط السياحة، حيث تكثر المباني التي تشغلها المؤسسات السياحية، وتتعدد مراكز الخدمات المرتبطة بها، ومحلات بيع الهدايا والعاديات والمنتجات الوطنية المتميزة ( الأفندي، بدون تاريخ، ص 39). ويبدو هذا التأثير بوضوح شديد عند تتبع أنماط استخدام الأرض في العديد من المناطق خاصة في مدينة غزة على أجزاء من الطريق الساحلي، وهي ظواهر أو ملامح تتكرر على بعض جوانب الطرق الرئيسية في قطاع غزة.

 

وبنظرة فاحصة لمساحات الأراضي التي تم استعمالها في المشاريع الفندقية نجد أن معظم المساحات صغيرة المساحة تتراوح بين 300- 2000 متر مربع، ويشذ عن هذه القاعدة كل من قرية زهرة المدائن ومنتجع الواحة، حيث تبلغ المساحة ما بين 10.000 و 15.000 متر مربع لزهرة المدائن، وهذا يوضح أن المنشآت التي أقيمت على هذه المساحات من الأراضي استنفذت كافة المساحة المملوكة، وهذا أدى الى عدم وجود مرافق أخرى مثل المرافق الترفيهية والخدماتية في تلك المنشآت ( وزارة السياحة والآثار، بدون تاريخ، بيانات غير منشورة).

 

وكذلك الأمر بالنسبة للمطاعم السياحية، فمن خلال نظرة الى تطور المطاعم السياحية نجد أنه قبل قيام السلطة الوطنية الفلسطينية لم يكن هناك ما يمكن أن نطلق عليه مطعم سياحي، حيث أن كافة المطاعم على ساحل البحر كانت عبارة عن " كافتيريات" تقدم الخدمات للزبائن ( وزارة السياحة والآثار، 2002، بيانات غير منشورة)، الا أن الوضع اختلف بالكلية بعد قيام السلطة الوطنية حيث أرتفع عدد المطاعم بدرجة ملحوظة.

 

أما مكاتب السياحة والسفر فقد ارتفع عددها من 16 مكتب مرخص في العام 1994، الى 21 مكتب في العام 1995، و 30 مكتب في العام 2003 ( السوسي ووشاح، 2002-2003، ص 2).

 

وهكذا يتضح أنه نتيجة لتطور النشاط السياحي في قطاع غزة ظهرت أنماط جديدة من العمران، ومن المتوقع أن تزداد أعداد هذه الأنماط الجديدة على ضوء إنسحاب قوات الاحتلال الاسرائيلي من قطاع غزة، مما قد يسمح بتفعيل صناعة السياحة إذا تهيأت لها الظروف الملائمة لذلك.

 

- امتداد النطاق العمراني للمنشآت العمرانية المختلفة، خاصة السياحية منها، في اتجاهات ومحاور تحددها ملامح البيئة الطبيعية السائدة، ومستوى الأنشطة السياحية وازدهارها، بالاضافة الى عامل حجم السكان وأسعار الأراضي. فيلاحظ أن أكثر من 76% من مكاتب السياحة والسفر المرخص لها في محافظات غزة تتركز في محافظة غزة ( السوسي ووشاح، 2002-2003، ص 1)، كما تتركز جميع المنشآت الفندقية في محافظة غزة ماعدا مدينة الأمل في خان يونس والواحة في بيت لاهيا ( وزارة السياحة والآثار، بدون تاريخ، ص 5).

 

- تكتسي الحياة الاقتصادية والبنية العمرانية للتجمعات السياحية تحت تأثير السياحة طابعاً حضرياً واضحاً، ولعل ذلك يظهر بوضوح في التطورات المتلاحقة التي شهدتها الحياة الاقتصادية في قطاع غزة، مثل: إنشاء المصارف المختلفة  حيث يحظى قطاع غزة بالعديد من البنوك وفروع البنوك العاملة في فلسطين، والتي يبلغ عددها في قطاع غزة 14 بنك بفروعها في مختلف أنحاء القطاع ( سلطة النقد الفلسطينية، 2005، بيانات غير منشورة) مثل: بنك فلسطين، والبنك العربي، والبنك التجاري الفلسطيني، وبنك القاهرة عمان، وبنك الأردن، حيث تقوم هذه البنوك بتقديم الخدمات المصرفية للسياح والمواطنين على حد سواء، كما توجد بعض البنوك المتخصصة في أنشطة أخرى مثل: بنك الإسكان للتجارة والتمويل، والبنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي، والمؤسسة المصرفية الفلسطينية، وبنك القدس للتنمية والاستثمار. الى ذلك، يوجد العديد من شركات التأمين التي تقدم خدماتها للمواطنين والسياح والزائرين على حد سواء ( حماد، 2006، ص44)، فضلاً عن إقامة الأسواق المركزية والمنشآت الاقتصادية والسياحية المختلفة التي تخدم المواطن والسائح على حد سواء، والتي تشكل في مجملها جزء من الأنماط العمرانية الحديثة في قطاع غزة.

 

-  يؤدي تطور السياحة في كثير من الحالات إلى توسيع نظام الموصلات القائم وتحسينه، أو إحداث نظام مواصلات جديد ( كولينات و شتايينكه، 1991، ص165)، وذلك بطبيعة الحال مرتبط بالتخطيط العمراني في المنطقة. وقد شهد نظام المواصلات في قطاع غزة تطوراً ملحوظاً خلال السنوات العشر الماضية،  وان كان ذلك يتباين من مدينة لأخرى، فعلى سبيل المثال، قامت بلدية غزة منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بوضع مخطط لترقيم وتسمية الشوارع في مدينة غزة ( صالحة، 1997، ص 327)، الا أن هذا التحسن مازال دون المستوى المطلوب، ولايتنا سب وأهمية المنطقة السياحية.

 

-  تعمل السياحة على توجيه المجتمع والاقتصاد وجهة خدمية، في الوقت الذي يراد منه تشجيع الأنشطة الإنتاجية. وهكذا تكثر المهن والاختصاصات الخدمية، ويكون ذلك، على حساب المهن والاختصاصات الزراعية والصناعية ( الحوري والدباغ، 2001، ص 115). ولاشك أن ذلك ينعكس على المظاهر العمرانية المنتشرة في القطاع، حيث لوحظ خلال الآونة الأخيرة زيادة عدد المكاتب الخدمية والمهن المتعلقة بها.

 

4- بعض المشكلات التي تصاحب النتائج العمرانية لصناعة السياحة في قطاع غزة:
 

أ-ارتفاع أسعار الأراضي بشكل كبير خاصة في المناطق ذات الأهمية السياحية مثل المنطقة الساحلية القريبة من شاطئ البحر أو المناطق ذات الأهمية الاسترتيجية في داخل المدن الرئيسية خاصة مدينة غزة، مما يفقد معظم المواطنين القدرة على الدخول في هذا السوق.

ب- افتقاد المخططات العمرانية في قطاع غزة للأبعاد الثقافية والجمالية والاجتماعية التي يفترض توافرها ليس في المشروعات والمنشآت والمرافق السياحية فحسب، بل في مختلف أنماط الحياة العمرانية في قطاع غزة، لما لذلك من أثر واضح على التنوع البيولوجي و الثقافي والمناظر الطبيعية الثقافية ، وخصائص الطابع البصري للنطاق المحيط.

 

ج- بالرغم من الاعتماد على المواد المحلية في البناء والتنفيذ في مختلف مجالات العمران في قطاع غزة،  الا أن هناك تجاهل واضح وعدم احترام للطرز المعمارية المتواجدة بالموقع، وعدم مراعاة لاتجاهات العمارة التقليدية والشعبية للنطاق العمراني المرتبط بالموقع التراثي.

د- انكماش مساحات الأراضي الفضاء خاصة في المناطق القريبة من الساحل، نتيجة التوسع في بناء الفنادق والمنشآت السياحية، أو توسيع الموجود منها، وما يرافق ذلك من تعديات على الشواطئ يصل الى حد تلويثها، وحرمان المواطنين والزائرين من مناطق مخصصة للاصطياف، كما هو الحال على شواطئ مدينة غزة.

ذ- النفقات الباهظة لإنشاء مرافق البنية التحتية، خاصة إذا علمنا أن قطاع غزة في مجمله يفتقد الى البنية التحتية الأساسية المتكاملة.

 

ر-بالرغم من الأهمية السياحية التي يتمتع بها قطاع غزة، والآمال المعقودة بتطور صناعة السياحة لتشكل رافداً اقتصادياً مهماً في قطاع غزة، الا أن هناك تدني في إقامة الأندية الرياضية والاجتماعية والأماكن الترفيهية المختلفة مثل دور السينما والمسارح وغيرها، وذلك مرتبط بالوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد في القطاع فضلاً عن الوعي بأهمية صناعة السياحة، وكما يشير صالحة فإن مدينة غزة التي تعتبر عاصمة القطاع تفتقد الى الخدمات الترفيهية والاجتماعية، فلا يوجد الا عدد قليل من الحدائق والملاعب، بالرغم من وجود العديد من الأندية ( صالحة، 1997، ص 387).

 

ه-التنافس بين السياح والمواطنين على تأجير الشقق، حيث يفضل المالك أن يؤجر الشقة مفروشة للسياح والزائرين، ويقبض بالعملة الأجنبية، وهذا يؤدي الى ارتفاع إيجار الشقق، كما يحرم المواطن العادي من حاجة ضرورية توفر له الاستقرار الأسري.

 

الخاتمة والتوصيات:
 

يتضح من خلال تتبع الحركة السياحية في قطاع غزة ان هناك تطوراً ملموساً في الحركة السياحية في القطاع، وقد أنعكس هذا التطور بدرجات متفاوتة على المظاهر العمرانية السائدة في قطاع غزة، وقد تجلى ذلك بصورة واضحة في التطور الواضح في أعداد المنشآت السياحية الأساسية مثل الفنادق وأماكن الإيواء، والمطاعم السياحية، ومكاتب السياحة والسفر،وبعض المنشآت الأخرى.

 

وبالرغم من هذا التطور الواضح الا أن النشاط السياحي تميز بالتذبذب خلال السنوات التي شهدت قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك بسبب المتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية، فضلاً عن عوامل أخرى مرتبطة بالوعي الاجتماعي، وتوفر الكفاءات والخبرات اللازمة للنهوض بصناعة السياحة، مما أثر على المظاهر العمرانية وانتشارها في قطاع غزة.

 

ومن نافلة القول أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وسيطرة السلطة الفلسطينية جزئياً على معبر رفح الحدودي سيساهم في إنعاش النشاط السياحي في القطاع، مما يترك المزيد من الظلال والتأثيرات على المظاهر العمرانية في القطاع، مما يتطلب وضع مخطط عمراني شامل لضبط وتنظيم هذه المظاهر العمرانية بشكل يجعل من هذه المظاهر العمرانية رافعة للنشاط السياحي.

 

خلاصة القول أن النشاط السياحي ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على العمران في قطاع غزة، الأمر الذي يتطلب تضافر جميع الجهود لتطوير المظاهر العمرانية في قطاع غزة، وفق مخططات هندسية مدروسة تنسجم وطبيعة منطقة الدراسة، بما يتلاءم مع الذوق العام السائد، والشخصية الوطنية، والتراث العربي والإسلامي، والتوجهات المستقبلية لتطوير القطاع.

 

التوصيات:
 

1- وضع خطة طوارئ لإعادة أعمار المناطق القديمة في قطاع غزة مع الحفاظ على القيمة التراثية والثقافية للمواقع والمنشآت التاريخية والأثرية والمعالم الحضارية المختلفة.

 

2- دعوة الفعاليات الشعبية للقيام بدور طليعي للحفاظ على مناطق التراث العمراني في قطاع غزة، ومختلف الأراضي الفلسطينية، وتنميتها بشكل مكمل للجهود التي تقوم بها السلطة الوطنية في هذا الشأن، مما يساهم في تعويض القصور الناتج عن فشلها أو عدم كفايتها.

 

3- تطوير اطر خاصة للشراكة المجتمعية، بشكل يؤسس لدور رائد في عملية التنظيم والإصلاح العمراني للمناطق المختلفة في قطاع غزة، كما يرسى مفاهيم جديدة لأهمية مؤسسات المجتمع المدني وتعظيم دورها وتوسعة نطاق عملها إلى أفاق تنموية أكثر حيوية وحضارية.

 

4- العمل على دراسة الأبعاد الثقافية والجمالية والاجتماعية لمشروعات التنمية السياحية في قطاع غزة، والتعرف على أثرها على التنوع البيولوجي و الثقافي والمناظر الطبيعية الثقافية ، وخصائص الطابع البصري للنطاق المحيط.

 

5- التنبيه إلى أهمية الاعتماد على المواد المحلية في البناء والتنفيذ، واحترام الطرز والأنماط المعمارية المتواجدة بالموقع واتجاهات العمارة التقليدية والشعبية للنطاق العمراني المرتبط بالموقع التراثي لما لذلك من انعكاس مباشر على السياحة.

 

6- العمل على وضع تصور عام للمخطط العمراني في قطاع غزة، بحيث ينسجم هذا المخطط مع التوجهات الوطنية العامة والخطط المستقبلية لتطوير قطاع غزة.

7- دعوة كليات الهندسة والتخصصات ذات العلاقة في بلادنا لتوجيه الأساتذة والطلاب لإجراء دراسات معمقة ووضع التصورات التي تبرز القيم الجمالية في المظاهر العمرانية السائدة، خاصة ما يتعلق منها بصناعة السياحة.

8- مراعاة الاعتبارات الخاصة بتصميم المباني في المواقع السياحية·

8- العمل على رفع درجة الوعي السياحي بين المواطنين، بما في ذلك، أهمية المحافظة على المباني التاريخية والمناطق الأثرية في بلادنا.
 

 

المراجع:
 

1-باتريك لافري، جغرافية الترويح، " ترجمة محبات الشرابي"، دار الفكر العربي، القاهرة، بدون تاريخ.

2-حسين الريماوي، مدخل الى السياحة والاستجمام والتنزه، دار النظم للنشر، عمان، 1998.

3-  خالد فريد قمحية، حماية التراث الفلسطيني في ظل الاحتلال الاسرائيلي، المؤتمر الدولي للهندسة وتطوير المدن، 22-23 سبتمبر 2003، الجامعة الاسلامية، غزة، 2003.

4-خالد مقابلة و فيصل الحاج ذيب، صناعة السياحة في الأردن، وائل للنشر والتوزيع، عمان، 2000.

5-  خميس ربحي بدوي، إعادة تخطيط البلدة القديمة في مدينة غزة، المؤتمر الدولي للهندسة وتطوير المدن، 22-23 سبتمبر 2003، الجامعة الاسلامية، غزة، 2003.

6-رائد أحمد صالحة، مدينة غزة دراسة في جغرافية المدن، الطبعة الأولى، مطبعة الرنتيسي، غزة، 1997.

7-  سامح محمود السوسي و كمال وشاح، إحصائية أوضاع السياحة في محافظات غزة،  وزارة السياحة والآثار، غزة، 2004.

8-  سامح محمود السوسي و كمال وشاح، إحصائية مكاتب السياحة والسفر- غزة، وزارة السياحة والآثار، غزة 2002-2003.

9-سعيد البطوطي، اقتصاديات السياحة والفنادق، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2002.

10-سلطة النقد الفلسطينية،  بيانات غير منشورة، رام الله، 2005.

11-صبري عبد السميع، اقتصاديات السياحة، جامعة حلوان، بدون تاريخ.

12-صبري عبد السميع، نظرية السياحة، الطبعة الثانية، مطابع الطوبجي التجارية، حلوان، 1993.

13-صلاح الدين عبد الوهاب، تخطيط الموارد السياحية، مطابع دار الشعب، القاهرة، 1988.

14-عادل يحي وآخرين، دليل فلسطين السياحي الضفة الغربية وقطاع غزة، المؤسسة الفلسطينية للتبادل الثقافي، رام الله، 2000.

15-عبد القادر ابراهيم حماد، التطلعات السياحية في قطاع غزة بعد زوال الاحتلال دراسة في جغرافية السياحة، " مؤتمر تنمية وتطوير قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي، 13- 15 فبراير 2006، الجامعة الاسلامية، غزة، 2006.

16-عبد القادر ابراهيم حماد، الضفة الغربية لنهر الأردن دراسة في جغرافية السياحة، رسالة دكتوراة غير منشورة، برنامج الدراسات العليا المشترك بين جامعتي عين شمس في ج.م.ع. وجامعة الأقصى في فلسطين، القاهرة، 2003.

17-عبد القادر عبد الوهاب، الأهمية الاقتصادية للسياحة ودورها في دعم الدخل القومي، " السياحة في السودان"، دراسات وتوصيات مؤتمر أركويت الثاني عشر، أركويت 15-17 ديسمبر 1996، جامعة الخرطوم، الخرطوم، 1996.

18-عثمان محمد غنيم و بنيتا نبيل سعد، التخطيط السياحي في سبيل تخطيط مكاني شامل ومتكامل، الطبعة الأولى، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، 1999.

19-فريد القيق، مركز عمارة التراث ومفهوم "إعادة الإحياء"، مجلة العمران، غزة، 2005.

20-كلاوس كولينات و ألبرت  شتاينكيه، جغرافية السياحة ووقت الفراغ، " ترجمة نسيم فارس برهم"، منشورات الجامعة الأردنية، عمان، 1991.

21-ليلى الأفندي، القاهرة ومصر الوسطى دراسة في جغرافية السياحة، رسالة دكتوراة غير منشورة، جامعة عين شمس، القاهرة، 1983.

22-ليلى الأفندي، جغرافية السياحة، محاضرات ألقيت على طالبات كلية البنات، جامعة عين شمس، القاهرة، بدون تاريخ.

23-ماهر عبد الخالق السيسي، الاتجاهات الحديثة في صناعة السياحة، مطابع الولاء الحديثة، القاهرة، 2004.

24-محب محمود المصري وآخرين، استراتيجية لتأهيل مركز مدينة غزة التاريخي، المؤتمر الدولي للهندسة وتطوير المدن، 22-23 سبتمبر 2003، الجامعة الاسلامية، غزة، 2003.

25-محمد مرسي الحريري، جغرافية السياحة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، بدون تاريخ.

26-مصطفى عبد القادر، دور الإعلان في التسويق السياحي دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2003.

27-منى طه الحوري و إسماعيل محمد علي الدباغ، مبادئ السفر والسياحة، الطبعة الأولى، مؤسسة الوراق، عمان، 2001.

28-مهجة إمام إمبابي، السياحة الثقافية الجماهيرية وتحديات الحفاظ على التراث " رؤى مستقبلية للقرن الحادي والعشرين "، مجلة العمران، غزة، 2005.

29-وزارة السياحة والآثار، إحصائيات فنادق غزة، بيانات غير منشورة، غزة، بدون تاريخ.

30-وزارة السياحة والآثار، إحصائيات مطاعم غزة، بيانات غير منشورة، غزة، 2002.

 


 
· اعتاد الهنود "البهرة" على سبيل المثال زيارة الضريح الموجود داخل مسجد السيد هاشم لأداء طقوس وعبادات داخله، حيث يعتبرونه أحد مقدساتهم الخمسة التي يجب على أبناء الطائفة زيارتها والحج إليها.
·
 لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع  أنظر:
عثمان محمد غنيم و بنيتا نبيل سعد، التخطيط السياحي في سبيل تخطيط مكاني شامل ومتكامل، الطبعة الأولى، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، 1999.
 
________________________
 
 
 
أضافها swideg في الجغرافية البشرية, جغرافية السياحة, جغرافية المدن @ 07:00 م
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية